المقريزي
92
رسائل المقريزي
« الشرك في الربوبية » : والنوع الثاني من الشرك : الشرك به تعالى في الربوبية كشرك من جعل معه خالقا آخر ، كالمجوس وغيرهم الذين يقولون بأن للعالم ربين : أحدهما خالق الخير ويقولون له بلسان الفارسية : « يزدان » ، والآخر خالق الشر ويقول له المجوس بلسانهم : « أهرمن » ، وكالفلاسفة ومن تبعهم الذين يقولون بأنه لم يصدر عنه إلا واحد بسيط وأن مصدر المخلوقات كلها عن العقول والنفوس ، وأن مصدر هذا العالم عن العقل الفعال فهو رب كل ما تحته ومدبره ، وهذا شر من شرك عباد الأصنام والمجوس والنصارى ، وهو أخبث شرك في العالم ؛ إذ يتضمن من التعطيل وجحد الإلهية والربوبية واستناد الخلق إلى غيره سبحانه وتعالى ما لم يتضمنه شرك أمة من الأمم . « شرك القدرية » : وشرك القدرية مختصر من هذا ، وباب يدخل منه إليه ؛ ولهذا شبههم الصحابة - رضي الله عنهم - بالمجوس كما ثبت عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم . وقد روى أهل السنن فيهم ذلك مرفوعا « أنهم مجوس هذه الأمة » « 1 » وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر . والقرآن الكريم ، بل الكتب المنزلة من عند الله تعالى كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك كقوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ فإنه ينفى شرك المحبة والإلهية . وقوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإنه ينفى شرك الخلق والربوبية ، فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة وأنه لا يجوز إشراك غيره معه لا في الألفاظ ولا في الإرادات ، فالشرك به في الأفعال كالسجود لغيره سبحانه وتعالى ، والطواف بغير بيته المحرم ، وحلق
--> ( 1 ) لفظه « القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم » عن ابن عمر مرفوعا وهو حسن بشواهده ، رواه أبو داود ك : السنة ( 4691 ) ، وأحمد في مسنده ( 5588 ) ، وابن أبي عاصم في السنة من طرق ( 334 ) ( 335 ) ( 1 / 148 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 85 ) ، والآجري في الشريعة ( ص 190 ) ، وصححه الحاكم على شرطهما . قال الخطابي في شرح الحديث : إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين : النور والظلمة ، يزعمون أن الخير من فعل النور ، والشر من فعل الظلمة ، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله ، والشر إلى غيره ، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته » معالم السنن ( 5 / 66 ) .